من عبق الماضي إلى روح الحاضر.. شارع النبي دانيال يعود كأيقونة سياحية في قلب الإسكندرية

كتبت – ملك يونس:

على وقع خُطى العُمال وأصوات المُعدات، بدا أن الإسكندرية لا ترمم شارعًا فقط، بل تعيد رسم ملامح هويتها، في جولة ميدانية قامت بها مجلة المنتدى، وقفنا على تفاصيل مشروع هو الأكبر من نوعه في قلب المدينة: مشروع إحياء شارع النبي دانيال وتحويله إلى مزار سياحي وثقافي يحمل عبق التاريخ وروح الحداثة، يعود تاريخه إلى عام 331 قبل الميلاد.

ويمتد الشارع من محطة الرمل إلى محطة مصر، ويُمثل واحدًا من أقدم وأهم الشوارع التاريخية التي نشأت مع تأسيس الإسكندرية نفسها عندما أمر الإسكندر الأكبر المهندس الإغريقي “دينوقراطيس” ببنائها لتكون عاصمة جديدة لأمبراطوريته لما وجده فيها من موقع ممتاز لعصر جديد هو قائده، وكان شارع النبي دانيال هو جزءًا من الشارع الرئيسي الطولي للمدينة وقت إنشائها، حيث كان جزءًا من التخطيط الهيبودامي الذي أمر به الإسكندر الأكبر، والذي يعني الشكل الشبكي أو رقعة الشطرنج، ويعود الشارع للواجهة مرة أخرى، لكن بثوبٍ عصري يحافظ على روحه القديمة.

وعلى خُطى إحياء شارع النبي دانيال، أُجري مشروع التطوير والترميم على ثلاث مراحل، وتضمنت خطواته الأولى أعمال التطوير بداية من شارع الشهداء مع ميدان محطة مصر حتى شارع فؤاد، بطول ٣٠٠ متر مع إعادة ترميم ودهان الواجهات الخاصة بـ١٦ عمارة مع مراعاة المباني التراثية الجذابة، وتم عمل أنظمة إضاءة للواجهات، فضلًا عن عمل نموذج موحّد لكافة المحالّ الموجودة، مع مراعاة توحيد اللافتات الإعلانية طبقًا للنسق الحضاري، كما تم دهان وعمل واجهات “جي آر سي” لأسوار إدارة الإشارة، مع إقامة سوق للكتب بما يتناسب مع الهوية البصرية للمكان وتغيير الأرصفة وتشطيبات الأرضية ليتحول الشارع إلى ممشى تراثي بالإضاءات الجانبية للشارع بأعمدة إضاءة ديكورية وإضاءات على العمائر لإبراز الزخارف المعمارية، وذلك بعد رفع كفاءة البنية التحتية للشارع بجميع المرافق.

وشارع النبي دانيال صباحًا مشهد آخر، تكتسي فيه الأرصفة بالنظام وتفوح منه روح الصباح السكندري القديم ببائعي الكتب والصحف، وكأنك تسير بين سطور جريدةٍ قديمة كتبتها المدينة بحبرها، أما ليلًا، فنرى المشهد الليلي الذي يرجع للحقبة الراقية التي يغلب عليها الطابع اليوناني، مع الأضواء الدافئة التي تنسدل على الجدران العتيقة، ومع تغيير العمائر التراثية بالألوان “البيج الترابية” التي تميز ألوان الإسكندرية القديمة، تزامنت مع الأرضية المكونة من طبقة البازلت البديلة للأسفلت لتكون مماثلة للشوارع التي أُنشئت بمحيط المتحف اليوناني الروماني.

ووفقًا لمحافظ الإسكندرية، الفريق أحمد خالد حسن سعيد، فإن المشروع يمثل نموذجًا للتنمية المتكاملة، يجمع بين الحفاظ على التراث وتحفيز الاستثمار السياحي والثقافي، لدعم التنمية المستدامة، وذكر خلال تصريحاته أنه تم تطوير المنطقة المحيطة بشارع المكتبات بأكملها بتكلفة وصلت إلى 103 ملايين، وأن الإسكندرية من خلال المشروع، لا تفتح شارعًا فقط، بل تفتح بوابة جديدة نحو ماضيها المجيد ومستقبلها الواعد، وأن المشروع لا يكتفي بترميم الواجهات وصيانة الأرصفة، بل يتضمن تنظيمًا للحركة المرورية عبر إنشاء مسارات للمشاة والدراجات، فضلًا عن تثبيت لوحات تعريفية تبرز القيمة التاريخية للشارع، بتنسيق المساحات الخضراء، وتركيب مقاعد، بما يحافظ على المظهر الحضاري، والمواطنون في انتظار المشهد الأخير لتطور الشارع في مرحلته الثالثة والأخيرة لتكتمل اللوحة لمزار سياحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *