بقلم – شروق عبد الكريم:
كشخص مهتم بدراسة الجغرافيا السياسية وفهم كيفية تشابك الأحداث والمصالح في منطقتنا ومع العالم، لفت انتباهي “إصرار” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على أن تقوم مصر أو الأردن باستقبال الفلسطينيين من قطاع غزة، ورغم أن الظاهر من هذا الطرح يبدو محاولة لحل أزمة إنسانية، لكن هناك ما هو أعمق من ذلك بكثير.
في عالم السياسة، لا شيء يحدث بدون هدف أو مصلحة خفية، وعندما تتابع تصريحات “ترامب” اليومية، وهوسه الواضح بتهجير سكان غزة، يمكننا ربط هذه القضية بمشاريع جيوسياسية استراتيجية قد تكون غير مرئية للبعض.
ومن بين هذه المشاريع، مشروع “الممر الاقتصادي” الذي أعلن عنه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال قمة الـ20 في عام 2023 إذ يهدف هذا المشروع إلى ربط الهند بالخليج عبر طريق يمتد من بحر العرب إلى الإمارات، مرورًا بالسعودية والأردن وإسرائيل، وصولًا إلى أوروبا.
ولكن هذا المشروع أثار جدلًا واسعًا، خاصة في مصر التي تعتبر قناة السويس الممر التجاري الأهم في المنطقة، فقد تساءل البعض إذا ما كان هذا الممر الجديد يشكل تهديدًا للقناة ويؤثر على إيراداتها أم لا.
وإذا نظرنا عن كثب، نجد أن المشروع يتعدى مجرد القضايا التجارية، فهو يدخل في إطار صراع جيوسياسي أوسع، حيث تسعى الولايات المتحدة لمنافسة المشاريع الصينية في مجال البنية التحتية، وذلك من أجل تعزيز وجودها ونفوذها في المنطقة.
وأما بالنسبة لـ”ترامب”، فقد بات من الواضح أنه يعتقد أن إسرائيل ستكون أكثر أمانًا إذا توافرت لها مصالح اقتصادية مشتركة مع دول المنطقة، وهذا يتضح من التقارب الأخير لبعض الدول العربية مع إسرائيل، على سبيل المثال، كان لافتًا أن رئيس الوزراء القطري أجرى أول مقابلة له مع قناة إسرائيلية، مما يوضح تحولًا في السياسة العربية تجاه إسرائيل.
ولذلك، يمكن القول أن إصرار “ترامب” على تهجير الفلسطينيين مرتبط بمصالح معقدة ترتبط بهذه المشاريع الاستراتيجية، خاصة أن غزة تقع في نقطة جيوسياسية حساسة بفضل موقع مينائها، ومع ذلك، كانت مصر والأردن حازمتين في رفض هذا الاقتراح، فكل من البلدين يعرف جيدًا أن تهجير الفلسطينيين لن يؤدي إلا إلى مزيد من الصراع وعدم الاستقرار، كما أنه يمثل تجاوزًا لحقوقهم التاريخية في أرضهم.
وما نشهده حاليًا ليس مجرد أزمة عابرة، بل فصل جديد في صراع طويل الأمد، الأهم هو أن نظل يقظين وثابتين في دعم مصر تجاه ما تواجه من تحديات عالمية دفاعًا عن مصالحها واستقرار المنطقة؛ فالقوى العظمى تحاول رسم “شرق أوسط جديد”، أصبحنا نسمع عنه كثيرًا مؤخرًا، ولكن، يجب أن يكون هذا الشرق الأوسط الجديد تحت مظلة مصر، وليس على حسابها.