مراجعة كتاب «العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة»  

كتب – يحيى الحساني:

يعرض الدكتور عزت عبد الرحيم قرني، المترجم والفيلسوف المصري، فكرتي العدالة والحرية عند 4 من أهم الشخصيات العربية الحديثة، وهم: الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من مصر، والسياسي خير الدين التونسي من تونس، والصحفي أديب إسحاق من سوريا، والشيخ جمال الدين الأفغاني المستعرب، فيشرح المنبع الفكري لكل واحد منهم، فهم على قدر تشابههم على قدر اختلافهم فقد جمعتهم الرغبة في تغيير واقع الوطن العربي والإسلامي الذي سحقته مركزية الخلافة العثمانية.

وترجع أهمية هذا الكتاب لا لسبله الأغوار عن شخصيات مهمة في فجر النهضة العربية الحديثة، بل بأخذهم بالنقد والتمحيص، فيذكر عيوبهم قبل مزاياهم، وابتعاده عن منهج تقديس الشخصيات الذي ابتلى الله به العقل العربي فيصل الأسباب بالتاريخ، ويفسر حجر زاوية أفكارهم، دون النظر إليهم بنظرة قدسية، “والمرأة التي قدمناها ليست مرآة الفاغرين أفواههم دهشة من فرط الإعجاب، بل مرآة نقدية تسمح بتبيان السليم من المشوه في السمات”.

وتنوعت مشاربهم واختلفت رؤياهم لكل من القضيتين، لكنهما نابعان من مصدر واحد، كره الاستبداد وتأثرهم بمفهوم العدالة والحرية الفرنسيين، فعند “الطهطاوي” تأثر بمبدأي العدالة والحرية، ودعا إلى تفعيلهم في مصر ويتجسد ذلك في قوله: “الحق أحق بأن يتبع، ولو كان من الآخر”، ووصف باريس “وقد ملأ العدل أقطارها، وفيها توالى الصفا والوفاء”.

 وكان خير الدين التونسي يرى الصلاح في اتباع نفس طرق الفرنسيين في: “الدستور، والمنظمات، والقانون”، فجاء في قوله: “وإنما بلغوا، أي الممالك الأوربية تلك المؤسسة لغايات التقدم في العلوم والصناعات بالتنظيمات على العدل السياسي وتسهيل طرق الثروة”، ورأى أديب إسحاق الحرية في نموذج “الثورة الفرنسية”، وتأثر “الأفغاني” بفكرة الثورة على الحاكم وعدم الإذعان للمستبد.

ويرى الدكتور عزت، أن هؤلاء الـ4 كانوا حجر زاوية النهضة العربية الحديثة فخرج من عباءتهم كل من: المفكر عبد الرحمن الكواكبي، والإمام محمد عبده والأديب طه حسين، والصحفي عبد الله النديم، والسياسي سعد زغلول، وقادة الثورة العرابية، فبفهم أفكار هؤلاء الـ4 التي لازالت تتردد إلى اليوم يمكننا تبين حاضر ومستقبل للبلاد العربية. 

وأخيرًا، يعتبر هذا العمل الذي قدمه الدكتور عزت مدخل لفهم الحركة التنويرية التي سادت مصر والعالم العربي في القرن الـ19، وهو هام للباحث وللقارئ العادي لإيضاح حقيقة تلك الحركات المؤثرة في أمتنا التي لا زال صداها موجود إلى الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *